ابن أبي حاتم الرازي
29
كتاب العلل
فوُجِدَ الأَمْرُ على ذلك ، فقال السائل : أَشْهَدُ أنَّ هذا العلمَ إلهامٌ . . . . وبكلِّ حالٍ : فالجَهابذةُ النُّقَّاد العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جِدًّا ، وأولُ مَنِ اشتُهِرَ في الكلام في نقد الحديث : ابنُ سِيرين ، ثم خلَفَهُ أيوبُ السَّخْتِياني ، وأخَذَ ذلك عنه شُعْبةُ ، وأخَذَ عن شُعْبةَ يحيى القَطَّانُ وابنُ مَهْدي ، وأخَذَ عنهما أحمدُ وعليُّ بنُ المَديني وابنُ مَعِين ، وأخَذَ عنهم مثلُ البخاريِّ وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتِم ، وكان أبو زرعة في زمانه يقول : قلَّ مَنْ يَفْهَمُ هذا ، ما أعزَّهُ ! إذا رَفَعْتَ هذا عن واحدٍ واثنين ، فما أقلَّ ما تَجِدُ مَن يُحْسِنُ هذا ! ولمَّا مات أبو زرعة قال أبو حاتِم : ذهَبَ الذي كان يُحْسِنُ هذا المعنى - يعني : أبا زرعة - ما بقي بِمِصْرَ ولا بالعراقِ واحدٌ يُحْسِنُ هذا . وقيل له بعد موت أبي زرعة : يُعْرَفُ اليومَ واحدٌ يَعْرِفُ هذا ؟ قال : لا . وجاء بعد هؤلاءِ جماعةٌ ، منهم : النَّسَائيُّ ، والعُقَيْلي ، وابنُ عَدِيٍّ ، والدَّارَقُطْني ، وقَلَّ مَنْ جاء بعدهم مَنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك ، حتى قال أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوْزي في أول كتابه " الموضوعات " ( 1 ) : قَلَّ من يَفْهَمُ هذا ، بل عُدِمَ ، والله أعلم » . اه - . وذكر الحافظُ ابن حجر ( 2 ) عن العَلاَئي أنه قال : « وهذا الفَنُّ أغمضُ أنواعِ الحديث ، وأَدَقُّها مَسْلَكًا ، ولا يقومُ به إلا مَنْ منحَهُ اللهُ
--> ( 1 ) ( 1 / 145 ) . ( 2 ) في " النكت " ( 2 / 711 ، 777 ) .